نخبة من الأكاديميين

474

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

يكون وذلك على مدى القرن الميلادي المنصرم ، فإننا نرقب بقلق كبير الانتكاسات النكوصية أو الجمودية التي استجدت في السنوات الأخيرة على مستوى كثير من المفاهيم الإسلامية التي كنا توهمنا أنها قد تخلصت من أدران التخلف والرسوف الرجعي والتذهين الخرافي الأسطوري والانحراف عن جادة الرسالية ، فإذا هي تُسْتَرَدُّ إلى ساح المسلمين من جديد لتدفع في اتجاه إسقاط ما جرى تحقيقه من إيجابيات تصويبية أو الارتداد عليها ، أو إفراغها من مضمونها ، أو تبديد مفاعيلها الصحية . لكأنما عاد العالم الإسلامي اليوم في كثير من شؤونه إلى الغرق في متاهة الفراغ الفكري والإيديولوجي والسياسي التي كان عليها في مرحلة التحرر الوطني التي كان الإسلام ما يزال فيها مغيَّباً أو رهين ظلام وظلم البدائل التغييرية غير المفكر فيها . وليست أمور الأقليات المسلمة في الدياسبورا الإسلامية أفضل حالًا في هذا الجانب مما هي في القلب الإسلامي برغم ما تحفل به من خصوصيات معروفة في هذا الجانب أو ذاك . ثانياً - الانتفاضة الثانية : انتفاضة فقهية إنقاذية للذات . فبعدما تعينت المؤسسات والمرجعيات الفقهية كإحدى أهم قيادات الاجتماع في الإسلام ، بل هي أهمها على الإطلاق ، فإنها تضطلع بمسؤولية تسييل مشروعه الحضاري الكوني في شبكة حياة المسلمين وصياغة منظوماتها المعاصرة والحديثة في شتى الميادين والحقول ، وهذا ما مسمَّاه الإمام الخميني ب - « تحقيق وتجسيد الفقه العملي للإسلام » « 1 » ، وذلك ابتداءً من العبادات إلى الحراك الفكري والعقدي والقانوني والسياسي والقيمي ، إلى الحكومة وإدارة الحياة والعلاقات وتنظيمها وترشيدها . . وصولًا إلى التطورات والإحتياجات المستقبلية والإستراتيجية للأمة « 2 » . ولا يختلف اثنان اليوم على كون احتياجات المسلمين الحالية الضاغطة متقدمة بما لا يقاس على الجهود المشهودة للحوازات والمراكز والمرجعيات الدينية والفقهية في العالم الإسلامي ، فكيف بالاحتياجات المستقبلية ؟ وإذا كان من المسلَّم به أن الحياة سبَّاقة لفقهها ، بمعنى أن صانعة موضوعات الأحكام ، فإن الملاحظ أن المسافة الفاصلة بين الحجم الهائل للموضوعات وقدرة تلبية الأحكام الفقهية والفتاوى الشرعية المتوفرة ومستوى استجابتها لما هو مطلوب منها ، لا تزال كبيرة بشكل مقلق « 3 » ، بل هي ما فتئت تزداد اتساعاً وتفاقماً . . وهذا عدا ما تقتضي الضرورات مراجعته وضبطه وتقويمه من فقه وفتيا سابقين بَيْدَ أنهما مايزالان ساريي المفعول في أوساط المكلفين المسلمين . وقد كفانا الإمام الخميني مهمة ذكر تلك الموضوعات بالتفصيل ( انظر هامشنا الأخير هنا ) فيما يشبه البرنامج الفقهي الاسترتيجي والمستقبلي . إلا أننا فيما استجد من بعده ، نقدم بشكل استثنائي وملح الحاجة الماسة إلى حركة إنقاذ فقهي تتولى تطهير الفقاهة على مستوى الأصول كما على مستوى الأحكام والفتاوى من ضلالات « العقل التكفيري » « 4 » والالتواءات الفقهية التكفيرية ومنهجياتها التي طفت على سطح الظاهرة الصحية لحالة الاستنهاض الحضاري الإسلامي في العقود القلية الماضية ، وقد انحدرت بإحدى أقدس

--> ( 1 ) الخميني ، الإمام روح الله - « زيادة الفقه الإسلامي ومتطلبات العصر » - ص / 56 . ( 2 ) ( م . ن ) . ( 3 ) منذ حوالي عشرين عاماً ، حدد الإمام الخميني وهو رائد فقهي مجدد ، في رسالته الهامة إلى الشيخ محمد علي الأنصاري ، رؤوس هذه الموضوعات والمسائل الفقهية التي تبرز الحاجة العملية لمتابعة التصدي لها ومعتبراً أن الاجتهاد فيها ليس كافياً ، وذلك بإشارات سريعة منه كالآتي : « قضية الملكية وحدودها ، ومسألة الأراضي وتقسيمها وتوزيعها ، وفي الأنفال والثروات العامة ، وفي الشؤون المالية والعملات الصعبة والنظام المصرفي وأحكامه ومسائلة المعقدة ، وفي قضية الضرائب والتجارة الداخلية والخارجية ، وفي المزارعة والمضاربة والإجارة والرهن ، وفي الحدود والديات ، وفي القوانين المدنية ، وفي القضايا الثقافية ، وفي التعامل بشؤون الفن بمعناه العام كالتصوير والرسم والنحت والموسيقى والمسرح والسينما والخط وغير ذلك ، وفي قضية حفظ سلامة البيئة وحفظ موارد الطبيعة . . ، وفي أحكام الأطعمة والأشربة ، وفي تحديد النسل ، وفي حل المعضلات الطبية ، وفي مسألة الثروات الوطنية في باطن الأرض ، وفي تغيير موضوعات الحلال والحرام وتوسيع وتضييق بعض الأحكام في الأزمنة والأمكنة المختلفة ، وفي المسائل الحقوقية القانونية والقوانين الدولية ومدى تطابقها مع أحكام الإسلام ، وفي قضية دور المرأة البناء في المجتمع ودورها الهدام في المجتمعات الفاسدة ، ومسألة حدود الحريات الفردية والجماعية ، ومجابهة الكفر والشرك والتلفيق ، وفي مسائل أداء الفرائض . . . ، وفي الحكومة والمجتمع . . وجميع هذه القضايا هي جزء صغير من آلاف المسائل التي هي مودر ابتلاء الناس والحكومة . . الخ » . ( راجع : ( م . ن ) ص . ص / 83 و 84 و 85 و 86 ) . ( 4 ) هذا المصطلح للسيد حسن نصر الله أمين عام حزب الله اللبناني .